
المنهجية التطرفية تُفسد كُل شيء , مهما كان شريفاً أو طاهراً . والتطرفُ في مخيلتي يُشبه المياه العكرة ,التي إذا أُلقي فيها أي شيء فسد وتعكر !
فإني لم أُناقش من متطرف إلا وغلبني ,فانفعالاته المٌبالغ فيها تُجبرك على الصمت , وتحجر فكره يجبرك على الانسحاب بلُطف . فكيف لنا أن نناقش شخص هدفه الوحيد من النقاش هو فرد عضلاته ,وإثبات صحة كُل ما يقول مهما كلفه الأمر , شخصٌ لا يرضخ لأي شيء من قبل مُخالفه مهما كان جيداً أوحكيماً , فهو لا يريد أن يصل للحقيقة , بل يريد أن يخل بالحقيقة لتُصبح كل أقواله وأفعاله ضمنها.
وتستحضرني هُنا مقولة الإمام الشافعي : كلما ناقشت رجلاً , دعوتُ الله أن يُنطقه الحق الذي لا أعرفه .
والله أني لو ألفتُ كتاباً عن التطرف لما وفّى , فهو موضوع عميق , ولو غصنا فيه لما انتهينا . لكن ما أُريد التطرق إليه هو أولئك المتطرفين الذين وُلدوا مع الثورة السورية , سواء كانوا مؤيدين أو معارضين , فأنا لا أجدُ أي فرق بينهما , فكلاهُما لوثوا بنفس تلك المياه السابق ذكرها .
فما الفرق بين شخص يسب ويشتم ويلعن باسم الحرية , وآخر باسم بشار ؟ وما الفرق بين قناة اخبارية رسمية بعيدة كُل البعد عن الموضوعية والحيادية , وكل ما تعرضه كذباً وتطبيلاً وتمجيداً , وبين أخرى تُبالغ أحياناً فيما تقول وتعرض , وتقدس أي رأي لصالحها مهما كان سيئاً ,وربما يصل بها تطرفها إلى اختلاق أشياء يأبى العقل السوي استيعابها ؟
إن ثورتنا ثورة مجيدة , فلابد أن نعترف ببعض التجاوزات , لنُطهرها من كل دنسٍ يمكن أن يُلوثها, ليكون النصرُ حليفاً لنا, وليعود حق سوريا وحق شهدائها الأحرار. يجب علينا أن نتسم بالعقلانية قليلاً , لا الانفعالات العاطفية والتعسفية .
إن الثورة خُلقت لتقضي على كُل متطرف , ولتربي بداخلنا تقبل الاختلاف ,فالتطرف وتقبل الآخر لا يجتمعان في قلب رجلٍ واحد.
فلنعطي الثورة بقدر ما أعطتنا من حرية ووعي حقوقي , ولنجدد أرواحنا كما جددنا إراداتنا , ولنبتعد عن أي تطرف سواء حزبي أو طائفي أو فكري , لتكون الثورة مفتاح لسوريا أجمل .
ماقبل النهاية :
أتامل العقول المتطرفة فأجدها تقوم برحلة تسلق جبال شاقة , فكلما عظم رأيه أو انتماؤه ومجده ارتفع حجرة ,وكلما قلل من شأن الآخر المُختلف ارتفع مثلها, وهكذا إلى أن يصل إلى تلك القمة الحادة , والتي لا تتسع إلا لنصف قدم ,أو ربما أقل, فيقف عليها وهو مهزوز وغير متزن , ويردد : أنا ومن بعدي الطوفان أنا ومن بعدي الطوفان ,ويحسب أن القمة التي وصل إليها هي القمة الحقة , والتي يمكن أن تُبهر الجميع به , ولا يعلم أن رياح الوسطية باعتدالها وبراهينها ستطيح به من أول هبّة , لكن المتطرف بطبيعته يعاود التسلق من جديد .